Ismael Hagana — From Conviction to Controlled Execution
All Insights
تحليل إنساني··8 دقائق قراءة

محرقة النساء في السودان: حين تصبح مراكز الإيواء وغرف الولادة أهدافاً عسكرية

شهادة ميدانية على استهداف النساء السودانيات داخل مراكز الإيواء وغرف الولادة، وقراءة في انهيار المنظومة الإنسانية تحت قصف الطائرات المسيرة.

Share
جلسة توعية للنساء حول العنف القائم على النوع — جنوب كردفان، كادقلي
جلسة توعية بالعنف القائم على النوع والممارسات الضارة — جنوب كردفان، كادقلي.

نحن نعيش الآن وبكل أسف تحت سماء السودان التي باتت لا تجيد غير أن تمطر متفجرات وقذائف الطائرات المسيرة، لترسم صورة بؤس الموت القادم من السماء الذي تمارسه عصابة الحركة الإسلامية، تلك المنظمة المصنفة إرهابية، لتكتمل هنا فصول مأساة إنسانية كبرى، تقتل النساء برصاص العوز والجوع وتجعلهن أهدافاً مباشرة في مرْمى "الموت الرقمي" القادم من الأعلى. إنها الحرب التي اختارت كسر العمود الفقري للمجتمع السوداني عبر استهداف نسائه في أكثر لحظاتهن هشاشة؛ داخل مراكز الإيواء، وفي غرف الولادة، وحتى في لحظات الفرح المسروقة، في مشهد وصفه "مارتن غريفيث" وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بأنه "بقعة سوداء في ضمير الإنسانية"، حيث تُسحق أرواح النساء والفتيات اللواتي يمثلن الكتلة الأكبر من بين ملايين النازحين الذين تقذفهم نيران المعارك إلى المجهول وفق بيانات OCHA وUNHCR وIOM.

يختصر المشهد في غرب كردفان، وتحديداً في مركز إيواء "البطري"، حجم هذه الجريمة؛ إذ حصدت الطائرات المسيرة أرواح عشر نساء وسبعة أطفال من مجتمع الحوازمة، فروا من الموت ليجدوه بانتظارهم تحت سقف خيام النزوح الواهية، في نمط دامي امتد ليحصد أرواح النساء في المجلد وفي طرقات جنوب كردفان، حيث أُبيدت نساء كنّ على متن عربة نقل مدنية بضربات جوية دقيقة اختارت هدفهن المدني بعناية. وفي الضعين، كان تدمير قسم النساء والتوليد قراراً بالإعدام الجماعي على آلاف الأمهات، في واقع مرير أكدته "ناتاليا كانيم" المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، حين أعلنت أن انهيار المنظومة الصحية جعل من عملية الولادة في السودان "رحلة انتحارية" في ظل خروج أكثر من 80% من المرافق الطبية في مناطق النزاع عن الخدمة، مما يترك النساء يواجهن الولادة دون خدمات طبية والموت دون رعاية.

تتواصل هذه المحرقة لتطال معسكر "الحامدية" في غرب كردفان الذي ارتقى فيه تسع نساء في لمح البصر، وتمتد لتسحق بهجة "الكومة" حين تحول احتفال بزواج إلى مأتم مفتوح سقطت فيه عشرات النساء صرعى بفعل القصف المسير الذي استهدف تجمعهن الاجتماعي. إن الأرقام التي تضج بها تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة تتحدث عن ملايين النساء والفتيات العالقات داخل بيئات شديدة الخطورة، حيث يتم استخدام العنف الجنسي كجزء من الاقتصاد السياسي للحرب لتهجير الناس واستباحة وجودهم. وقد أكدت "آنا موتافاتي"، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن الفتيات والنساء يُغتصبن ويُقتلن في منازلهن وأثناء فرارهن للبحث عن الطعام، في خطة استراتيجية ممنهجة حوّلت السودان إلى ساحة للعنف والاستغلال وانهيار سبل العيش.

تؤكد الإحصاءات الواردة من كردفان ودارفور والنيل الازرق بسقوط مئات النساء في غضون شهرين فقط جراء المسيرات، معلنةً جسد المرأة السودانية ساحة المعركة الحقيقية، حيث كشفت دراسة لصندوق الأمم المتحدة للسكان أن 76% من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان المطلق، وقفزت طلبات الدعم للناجيات من العنف الجنسي بنسبة 288% خلال عام 2024. تظل المرأة السودانية تقاتل بصمت للحفاظ على الأسرة وسط المجاعة وانعدام الحماية وفقدان التعليم لأطفالها، تواجه مخاطر العدوى والصدمات النفسية الحادة، وتصارع الوصمة الاجتماعية التي دفعت ببعض الناجيات نحو الانتحار هرباً من بشاعة الواقع.

وسط هذا الجحيم الممنهج، يتأكد لنا ضرورة قصوى لفرض الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتفعيل أعمدة الوقاية الثلاثة: المنع، وتخفيف المخاطر، والاستجابة العاجلة لدعم الناجيات، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لكسر حلقة الإفلات من العقاب وحث سلاسل القيادة على وقف هذا الاستهداف المتعمد لكرامة الإنسان. إن الوقاية الحقيقية تبدأ بتذكير من يملكون السلاح والسلطة بأن العنف الجنسي وقصف مراكز الإيواء جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، وأن الصمت تجاه تحويل جسد المرأة السودانية إلى أداة لتهجير المجتمعات هو مشاركة في الجريمة.

ورغم أهمية جهود الوقاية، يبقى الخطر قائماً ما دامت ظروف الحرب والفوضى حاضرة، ولذلك يأتي التخفيف من المخاطر كخط دفاعٍ تالٍ وحاسم، عبر العمل المباشر مع المجتمعات المحليّة لتقليل فرص التعرّض للخطر وتعزيز آليات الحماية الذاتية. ستبقى المرأة السودانية تخوض معركة النجاة الكبرى، بصفتها الحارس الأخير لما تبقى من إنسانية في هذا الوطن المكلوم، بانتظار عدالة حقيقية تتجاوز لغة الأرقام والتقارير لتنصف من تقتلهن المسيرات وتنهش أرواحهن صدمات العنف في وضح النهار.

اسماعيل هجانة — مهندس النظم الإنسانية والتحكم في التنفيذ · الحكاية الأعمق من الحرب

Share this essay

Ismael Hagana · The Humanitarian Architect

Ismael Hagana at the Jet d'Eau, Geneva — institutional signature
Geneva · Switzerland
Afterword
From conviction to controlled execution.
Ismael Hagana
The Humanitarian Architect